لأنّها عربيّة مُسلمة صوماليّة مُحجّبة تُواجه إلهان عمر وحدها أشرَس حملة صهيونيّة تُشهَر في وجهها تهمة مُعاداة الساميّة.. لماذا نتوقّع فشل هذه الحملة رغم أنّ ترامب يقِف على رأسها وتتواطَأ معها حُكومات عربيّة؟ ألا تستَحِق الدّعم والشُّكر حتّى بعد إجبارها على الاعتِذار؟



لأنّها عربيّة مُسلمة وسمراء وجميلة ومُحجّبة وصبيّة وتمتلك ضميرًا إنسانيًّا حيًّا، وتقف إلى جانب قضايا العدالة والحق، تحدّثت بشكل صريح عن دور اللوبي الصهيوني في شراء بعض المُشرّعين والسياسيين والتّأثير سلبًا على “حرية التعبير”، خاصّةً عندما يتعلّق الأمر بالمجازر الإسرائيليّة، فمِن الطّبيعي أن تُواجِه حملةً شرسة من أنصار هذا اللّوبي في الكونغرس، بل ومِن الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب نفسه، الذي تطاول عليها بألفاظٍ جارحةٍ ونَعتها بقِلّة الحياء.

نحن نتحدّث هُنا عن السيّدة إلهان عمر، الأمريكيّة من أصلٍ صوماليٍّ، التي فازت بأكثَر من 78 بالمِئة من الأصوات في الدّائرة الخامِسة لولاية مينيسوتا الأمريكيّة على لوائح الحِزب الديمقراطي في الانتخابات التشريعيّة النصفيّة الأخيرة، وكانت أوّل مُسلمة عربيّة إلى جانب زَميلتها رشيدة طليب، تدخُل مجلس النواب.

إلهان، لأنّها عربيّة مسلمة ممنوعٌ عليها الاقتراب من انتِقاد إسرائيل وجرائمها، أو الحديث عن المال الذي يُوظّف في السياسة الأمريكيّة دفاعًا عن هذه الجرائم بطريقةٍ أو بأخرى، أو دعم حملة المُقاطعة التي تزداد قُوّةً في العالم، وإلا فهي مُعادية للساميّة، ولا بُد من شن حملة شرسة ضدها تمامًا مثلما حصل ويَحصُل لجيرمي كوربن، زعيم حزب العمّال البريطانيّ.

خطيئة السيدة إلهان الأخيرة أنها أعادت نشر تغريدة للصحافي غلين جرينوالد قال فيها “من المذهل كم يقضي القادة السياسيون الأمريكيون من الوقت في الدفاع عن دولة أجنبيّة حتى لو يعني ذلك مُهاجمة حريّة التّعبير للأمريكيين، وعلّقت قائلة “أن الأمر يتعلّق بالمال”، وجرى تفسير هذا التّعليق على إنّه إشارة إلى المال اليهوديّ الذي يوفّر الدّعم لإسرائيل في المؤسسات الأمريكيّة.

كانت السيدة إلهان قد ذكرت في تغريدة لها وقبل أن تصل إلى مجلس النواب الأمريكيّ عن حرب غزة عام 2014، أي قبل أربع أعوام من فوزها بمقعد في مجلس النواب، “إسرائيل استطاعت تنويم العالم مغناطيسيًّا، فليوقظ الله الناس وليُساعدهم على رؤية مُمارسات إسرائيل الشريرة” الأمر الذي جعلها هدفًا لأنصار إسرائيل في الولايات المتحدة.

توماس فريدمان، الكاتب الأمريكيّ الشّهير كتب عام 2011 في عموده في صحيفة “نيويورك تايمز” “آمل أن يفهم بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، أنّ التّصفيق له وقوفًا أثناء خطابه في الكونغرس عشرات المرّات هذا العام، لم يكن بسبب سياساته، وإنّما جرى شراؤه ومدفوع الأجر من قبل اللّوبي الإسرائيلي”.

طبعًا لم يتم اتهام فريدمان بمُعاداة الساميّة لأنه بكل بساطة يهودي، ولكن أيّ شخص غير يهودي يقول هذا الكلام أو عُشره فإن تهمة معاداة الساميّة جاهزة وكل ما يتفرّع عنها من مُضايقات وأحيانًا قطع لقمة العيش.

كاتب هذه السطور ظهر في برنامج إذاعي مع كاتب يهودي بريطاني في لندن، للحديث عن قوة اللوبي الإسرائيلي ونفوذه، وأكّد هذا الكاتب أن اليهود يملكون نفوذًا قويًّا في قطاع المال والأعمال والمصارف، وعندما استندنا في البرنامج نفسه على أقواله هذه، قال أنا احذّرك فإنّ ترديدك لهذا الكلام يعني أنك مُعادٍ للساميّة، فقلت له، ولكنّني أستند إلى أقوالك  للتّو، فقال أنا كيهودي يحق لي أن أقوله، أمّا أنت كغير يهودي فهذا لا يحق لك.

السيدة إلهان اضطرّت للاعتذار “مكرهة”، تنفيذًا لطلب زملائها من الحزب الديمقراطي، والسيدة بيلوسي، رئيسة مجلس النواب، لتهدئة الأوضاع وامتصاص آثار الحملة الظالمة عليها وعلى الحزب، ولكنّها ألقت صخرةً كبيرةً في بركة الصّمت الأمريكيّة تُجاه الجرائم الإسرائيليّة، وهذا يُحسب لها وشجاعتها، ويُؤسّس لحالة من الوعي في أوساط الأمريكيين من أصولٍ إفريقيّة ولاتينيّة وعربيّة، فقد علّقت الجرس والمستقبل مشرق بإذن الله على صعيد نصرة القضايا العادلة، وحماية قيم حرية التعبير التي كفلها الدستور الأمريكي، والتصدّي لحملات التّضليل الإسرائيليّة.

نحن كعرب ومسلمين لا يمكن أن نُعادي الساميّة، وكنّا أكثر من احتضن اليهود الذين نعترف بدينهم السماوي، وفتحنا لهم بلادنا عندما جرى اضّطهادهم في الأندلس وغيرها، ولكنّنا لن نصمت أبدًا عن جرائم إسرائيل ومجازرها واحتلالها لأرضنا مهما كان الثّمن.

شكرًا من القلب للسيّدة إلهان عمر التي كانت أشجع وأكثر إنسانيّة ووطنيّة مِن جميع المُطبّعين العَرب.

افتتاحية صحيفة “رأي اليوم

0 comments:

إرسال تعليق