إلى فخامة الرئيس حسن شيخ محمود.. تحية الوطن الذي أثقلته الجراح، وأعياهُ الانتظار على قارعة الاستقرار.
أكتب إليك اليوم، ليس بصفتي مراقباً للأحداث فحسب، بل بصفتي صوتاً من الأصوات التي رأت في عودتكم الثانية فرصة لترميم ما انكسر، لا لتهشيم ما تبقى من زجاج الوحدة الهش.
فخامة الرئيس، إن الدولة ليست "نصوصاً" تُكتب في الغرف المغلقة، بل هي "عقد" يربط القلوب قبل أن يربط المؤسسات، وهذا العقد في الصومال اسمه (الدستور ).
فخامة الرئيس، إن الصومال اليوم "طفلٌ" يلملم شتات نفسه، والحبل الفيدرالي هو "سُرّته" التي تمنحه المدد من أطرافه في بونتلاند وجوبالاند وما سواهما.
فلا تقطع هذا الحبل بمدية "الاستعجال" أو "الرؤية المنفردة". إن التاريخ لا يذكر الحكام بطول بقائهم في السلطة، بل بمدى صمود "البيت" بعد رحيلهم. ونحن نخشى، يا سيادة الرئيس، أن تورث من بعدك "بيتاً منقسماً على نفسه"، وما انقسم بيتٌ إلا وكان السقوط مآله.
فخامة الرئيس، إن الإصرار على تعديل الدستور من طرف واحد، والقفز فوق توافق الأطياف السياسية والأقاليم الفيدرالية، ليس مجرد "إجراء إداري" أو طموح لتطوير نظام الحكم؛ بل هو، بكل صراحة ومرارة، "مقامرة" بكيان الدولة.
إن الدستور الذي بين يديك اليوم ليس مجرد ورقة، بل هو "الحبل" الوحيد الذي يربط مقديشو بغاروي، وكيسمايو، وبيدوا وطوسمريب .
وإذا ما انقطع هذا الحبل بيديك، فلن يجد الصوماليون ما يجمعهم سوى ذكريات الدولة التي تلاشت في عهدك.
سيادة الرئيس، لقد جئت بوعود "صومال متصالح"، والتصالح لا يستقيم مع "الإملاء". إن الانفراد برسم ملامح النظام السياسي الجديد وتحويله إلى نظام رئاسي مركزي في ظل غياب التوافق الشامل، هو وصفة جاهزة لإعادة إنتاج الأزمات. إننا نخشى، يا فخامة الرئيس، أن يُسجل التاريخ أن تفكك الصومال النهائي بدأ بـ "قلم" الرئيس الذي ظنّ أنه يصلح الاعوجاج، فكسر الضلع.
انظر إلى "بونتلاند"، و"جوبالاند".. هذه ليست مجرد مناكفات سياسية، بل هي إشارات حمراء تحذر من "انفجار الروابط". فالدستور الفيدرالي المتفق عليه هو "الحد الأدنى" الذي رضي به الجميع ليعيشوا تحت سقف واحد، والعبث بأساساته دون إجماع وطني هو تقويض للسقف فوق رؤوس الجميع.
لا تنسَ يا فخامة الرئيس، وأنت غارق في ملف التعديلات، أن هناك عدواً يتربص بنا جميعاً. ألا وهو حركة الشباب التي لا تنتصر بقوتها، بل تعيش على خلافنا . كل خلاف دستوري تفتعله في مقديشو، هو "رصاصة" تمنحها للإرهاب ليخترق بها صفوفنا. لا تجعل انشغالك بـ "تعديل الدستور" ينسيك "أمن الإنسان" الصومالي الذي سئم الصراعات السياسية العقيمة.
فخامة الرئيس.. إن الشجاعة الحقيقية ليست في المضي قدماً في مشروع يرفضه الشركاء، بل الشجاعة في التراجع خطوة إلى الوراء من أجل الوطن. لا تقطع الحبل الذي يربطنا، ولا تكن الرئيس الذي شهد عصره "التمزيق الأخير" لخرائط التوافق.
فخامة الرئيس ...في لحظات التاريخ الحرجة، لا تُقاس عظمة القادة بالقدرة على فرض الإرادة، بل بالقدرة على كبحها من أجل البقاء الجماعي. واليوم، يجد الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود نفسه أمام مفترق طرق سيحدد، ليس فقط إرثه السياسي، بل وحدة الخارطة التي يحكمها.
