تحقيق لـ «الجزيرة»: الإمارات دمّرت موانئ القرن الإفريقي وحوّلتها إلى قواعد عسكرية وسجون سرية


كشف تحقيق لقناة الجزيرة، أن شركة موانئ دبي سيطرت على معظم موانئ القرن الإفريقي بهدف تدميرها واستغلالها مدخلاً لإنشاء قواعد عسكرية وسجون سرية لها. 

ونقل تحقيق برنامج «المسافة صفر» بعنوان «حرب الموانئ» في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، عن مسؤولين بارزين في الصومال وجيبوتي، قولهم إن الشركة الإماراتية منعت دخول سفن بحجة عدم وجود سعة تخزينية، وقامت بتحويل السفن إلى ميناءي جبل علي بدبي وخالد في الشارقة، بالإضافة إلى أنها رفعت أسعار الخدمات من أجل إبعاد المستثمرين عن الاستعانة بموانئ القرن الإفريقي. 


وكشف التحقيق أن شركة موانئ دبي رفضت بشدة طلب حكومة جيبوتي تعديل بنود في عقد استغلال ميناء دواراليه، وهو العقد الذي يحرم جيبوتي من أي تطوير للبنى التحتية أو البحرية لمدة 50 عاماً. 


كما نشرت «الجزيرة» صوراً للأقمار الصناعية تكشف عدم وجود نشاط تجاري في موانئ إريتريا وتحويلها إلى ثكنات عسكرية إماراتية.


يشير التحقيق الاستقصائي إلى أنه مع زيادة حدة المنافسة، وانفتاح جيبوتي على كل دول العالم للاستثمار في أراضيها، تصاعدت الخلافات مع الإمارات ووصلت ذروتها حينما قررت جيبوتي عام 2018 تجريد شركة موانئ دبي من امتيازها بسبب تعارضه مع المصالح الأساسية لجيبوتي، استناداً إلى قانون أقره البرلمان عام 2017 منح الحكومة سلطة إلغاء العقد مع مشغّل الميناء (شركة موانئ دبي).


ويشير التحقيق إلى أن مبررات فسخ العقد مع «موانئ دبي» تثير التعجب؛ لفرط انتهاكه سيادة جيبوتي، لتتساءل معدّة التحقيق عن دوافع حكومة جيبوتي وسر صمتها قبل منحها العقد بتلك الامتيازات عند توقيعها مع شركة موانئ دبي عام 2006!


في رده، قال أبوبكر عمر، ممثل حكومة جيبوتي الذي وقّع العقد، والذي يشغل حالياً منصب رئيس هيئة الموانئ والمناطق الحرة في جيبوتي: «في الحقيقة، لم نتوقع أن يصل الخلاف مع شركة موانئ دبي إلى المحاكم الدولية. 


لقد تفاوضنا مع شركة موانئ دبي قرابة 4 سنوات؛ لحثهم على تغيير موقفهم والقبول بتعديل طفيف على العقد، بالطريقة الطبيعية التي أُسّست بها الشركة وشُكّل بموجبها مجلس الإدارة، وبالطريقة المعتادة لأصحاب الأسهم الأكبر كأصوات الأغلبية في المجلس. لكن في هذا العقد، كان العكس؛ حيث نصّ على أن حكومة جيبوتي لا يحق لها أي بنى بحرية أو تحتية، أو أي موانئ على طول الساحل الجيبوتي كاملاً، ولمدة 50 عاماً. لذلك، لم يكن هذا مقبولاً من قبل الحكومة، فكيف لشركة أن تعيق مستقبل شعب بأكمله وتأخذ شعباً رهينة لديها لمدة 50 عاماً؟! لذلك، حاولت حكومة جيبوتي تصحيح الوضع. لكن (موانئ دبي) رفضت بشكل قاطع، وقالت إن هذا العقد جيد وسنُبقي عليه هكذا».


وردّاً عن سؤال حول سبب قبول الحكومة العقد رغم ما يمثّله من انتهاك لسيادة جيبوتي، قال: «حينما تتفاوض للمرة الأولى حول عقد لبلد صغير مع خبرة قليلة، تحدث مثل هذه الأخطاء. لكن إن وقع ذلك مع شريكك بحسن نية، فيجب أن تجلسا معاً وتصلحا الوضع في اللحظة التي تدرك فيها أن العقد غير موزون وغير عادل لشعبك.. وهنا فقط، عد لشريكك واطلب منه تصحيح بعض بنود العقد».


وكشفت معدّة التحقيق الاستقصائي أن أحد المصادر أخبرها أن جيبوتي استعانت بشركة محاماة دولية؛ لأخذ مشورة قانونية قبل فسخ العقد مع شركة موانئ دبي. وقد أمضى مكتب المحاماة الدولي أشهراً لجمع أدلة تثبت أن شركة موانئ دبي رفضت طلبات من شركات توريد لاستخدام ميناء دوراليه للحاويات في جيبوتي.


وبحسب المصادر ذاتها، فإن «بعض الأدلة تشير إلى أن الشركة الإماراتية اعتادت الادّعاء بأن محطة دوراليه قد تجاوزت الطاقة الاستيعابية، وتطلب من شركات الشحن إعادة توجيه شحناتها للإمارات عبر ميناء جبل علي وميناء خالد في الشارقة».


وتأكيداً لتلك المعلومات، قال أبوبكر عمر: «من الواضح أن هذه استراتيجية شركة موانئ دبي.. وعندما تكون مشغّل موانئ دولياً في منطقة واحدة، فمن الطبيعي ألا تأخذ أكثر من ميناء واحد في المنطقة نفسها. لكن ما تقوم به شركة موانئ دبي في البحر الأحمر أنها أخذت أكثر من 5 موانئ. 


كما أن ميناء الحاويات الذي ينازعون عليه اليوم بُني عام 2008 بسعة 1000 حاوية. وقبل إنشاء هذا الميناء بين 2006 و2008، كانت الطاقة الاستيعابية لتجارة إثيوبيا وجيبوتي تُقدّر بـ 250 ألف حاوية، فلماذا أنشأنا هذا الميناء بطاقة استيعابية تعادل 11 ضعف هذا الرقم؟ بالتأكيد لأننا استهدفنا إعادة بعث نشاط الشحن الدولي. 


وبالفعل، بدأنا النشاط، وكانت السفن تأتي إلينا، وتفضّل نقل الحاويات من خلال ميناء جيبوتي. لكن شركة موانئ دبي كانت تعارض ذلك برفع أسعار الخدمات المقدمة في ميناء جيبوتي في ما يتعلق بإعادة الشحن وتحويل البضائع».


وتابع قائلاً: «بعد مغادرة شركة موانئ دبي بأسبوع واحد في 22 فبراير 2018، أرسلت شركة (بي.أل.أل) السنغافورية لإعادة الشحن 300 ألف حاوية لإعادة شحنها، وهذا دليل آخر.. من أجل زيادة 32 % من أعمال الميناء، عليك بالعمل الجاد والقيام بالتسويق المطلوب على مدار عام أو عام ونصف العام، وهذا ما حدث ببساطة. 


وهذا هو الدليل، أنه بعد مغادرتهم اتجه الكل نحو جيبوتي. مشكلتهم ليست حول هذا الميناء، بل حول تطوير البلد كله، وهذا ما تناضل جيبوتي من أجله».


أبوظبي استخدمت موانئ إريتريا لضرب اليمن


أجرت مقدمة البرنامج اتصالاً بمديرة الاتصالات في شركة موانئ دبي، لتتيح لها الفرصة للرد على الاتهامات التي وجهت إلى الشركة ونشاطها في جيبوتي، إلا أن مسؤولة الشركة رفضت الرد عبر الهاتف، وطلبت مسؤولة الشركة من مقدمة البرنامج إرسال الأسئلة مكتوبة، إلا أنها -وفقاً للبرنامج- لم ترد على تلك الأسئلة خلال فترة إنتاج البرنامج.

وذكرت مقدمة البرنامج أن من أبرز الأسئلة التي وجهت لمسؤولة شركة موانئ دبي، هي: لماذا رفضت الشركة تعديل بنود العقد مع جيبوتي؟ ولماذا زاد عدد السفن العابرة للميناء بعد فسخ جيبوتي عقد موانئ دبي؟!

ولفت التحقيق إلى أن الشركة كانت أصدرت العديد من البيانات التي استنكرت فيها قرار جيبوتي فسخ تعاقدها معها، ولفتت في تلك البيانات إلى أن جيبوتي سيطرت على الميناء. 

وتابع البرنامج: «بعد فسخ العقد تسابقت دول وشركات مختلفة إلى التعاقد مع جيبوتي للاستثمار في ميناء دوراليه، وكان من بين تلك الدول فرنسا وسنغافورة وكندا، إلا أن جيبوتي تثق في الصين، كما أن الصين ترى في جيبوتي مكاناً مهماً جداً يساعدها في تنفيذ مشروعها العملاق طريق الحرير».
وذكر البرنامج في تقريره أن جيبوتي توجد بها قواعد عسكرية لدول أخرى كان من ضمنها قاعدة عسكرية للإمارات، قبل أن يتم طرد الإماراتيين منها بعد المشكلة المتعلقة بالميناء، الأمر الذي دفع الإمارات إلى أن تلجأ إلى إريتريا، ووقعت اتفاقية معها في 2015، تستخدم بموجبها الإمارات مطار وميناء «عصب» على البحر الأحمر لمدة 30 عاماً، 

وينص الاتفاق على أن تدفع دبي مقابلاً سنوياً للسلطات في إريتريا، إضافة إلى 30 % من دخل الموانئ بعد تشغيلها، إلا أن صور أقمار صناعية حصلت «الجزيرة» عليها كشفت أن المنطقة التي حصلت عليها الإمارات منذ عام 2015 لم تشهد أية توسعة لتطوير نشاط الميناء، بل إن صوراً التقطت في 21 نوفمبر من العام الماضي كشفت عدم وجود أية حاويات أو سفن تجارية في «عصب»، وتم رصد وجود 13 سفينة، منها 11 عسكرية، و2 للنقل العسكري. 

وكشفت مصادر لـ «الجزيرة» عن وجود سجن سري تبلغ مساحته 417 ألف متر مربع ضمن النطاق المستأجر بواسطة الإمارات في إريتريا.


ووفقاً لمصادر «الجزيرة»، فإن هذا السجن يضم غرفاً تحت الأرض، وهو ما يعني احتمال استخدام السجن في عمليات الإخفاء القسري المتهمة بها الإمارات من مؤسسات دولية، خاصة في ظل وجود تقارير حقوقية تكشف عن ترحيل الإمارات معتقلين يمنيين إلى خارج اليمن، وربما يكشف ذلك أيضاً الأهداف الحقيقية وراء سعي الإمارات فرض نفوذها في منطقة باب المندب.

ويؤكد التحقيق أن محاولة الإمارات السيطرة على خريطة البحر الأحمر أصبحت حقيقية، لافتاً إلى أن الإمارات تعمل على السيطرة على جميع المدن اليمنية المطلة على البحر الأحمر، كما أنها اتجهت إلى الصومال، وعقدت اتفاقيات اعتبرتها الحكومة الصومالية صفقات غير شرعية.

وأكدت وزيرة الموانئ الصومالية مريم أويس جامع لـ «الجزيرة» أن الحكومة الفيدرالية في الصومال ليست طرفاً بتلك الاتفاقيات، مؤكدة أن الصفقات التي أبرمتها الإمارات مع حكومة أرض الصومال انتهاك صارخ لأمن الصومال.

ولفتت الوزيرة الصومالية إلى أن رئيس الجمهورية الصومالية أعلن ترحيبه بكل الشركات المهتمة بالاستثمار في الموانئ، وهذا يعني أن تتصل هذه الجهات مع الحكومة الفيدرالية.

وقالت: «تابعتم عبر وسائل الإعلام قمنا بزيارة لميناءين مع مسؤولين من دولة قطر بهدف الاستثمار وتطوير الموانئ.. ووضع الرئيس الصومالي الأساس لميناء «هوبيو»، والآن هناك خطة من المتوقع أن تقوم بها دولة قطر لتطوير الميناء، علماً أنها قامت بالتنسيق مع الحكمة الفيدرالية لتنفيذ الموضوع، وهذا ما نريده من كل الجهات».

ابن زايد رفض 3 طلبات من فرماجو للاطلاع على اتفاقية ميناء بربرة الأصلية


على عكس الشركات التركية والقطرية التي تستثمر في الصومال بالتنسيق مع الحكومة، يرى الصومال أن أبوظبي دخلت من الأبواب الخلفية، وأنها بدأت المفاوضات مع أرض الصومال عبر عبدالرحمن بوريه رجل الأعمال الجيبوتي. 


وكشف التحقيق أن المفاوضات بين «موانئ دبي العالمية» والمسؤولين في إقليم صومالاند بدأت في يونيو 2013 للسيطرة على ميناء بربرة عبر «بوريه»، رجل الأعمال الجيبوتي المقرب من أبوظبي، الذي لجأ إلى الإمارات بعد نشوب خلافات بينه وبين حكومة بلاده.

وقال محلل صومالي لـ «الجزيرة»: إن علاقة بوريه بميناء بربرة جاءت عبر زوج ابن الرئيس السابق لأرض الصومال الذي يعد رجل الإمارات في هذا الإقليم، حيث ساعد في تمرير الصفقة لصالح الإمارات، بهدف مساعدة «بوريه» في إدارة الميناء.


وأضاف المحلل أن وزير خارجية أرض الصومال في تلك الفترة، اقترح أن يتم التعاقد مع شركة فرنسية، وبالفعل تم توقيع مذكرة تفاهم بذلك في فبراير 2013، على أن يتم توقيع الاتفاق بشكل كامل في الموعد نفسه.

وقال تحقيق «الجزيرة»: إن حكومة أرض الصومال لم تلتزم بمذكرة التفاهم مع الشركة الفرنسية، ومنحت امتياز إدارة ميناء بربره للشركة الإماراتية باتفاقية وُصِفت بالسرية. مضيفاً أن الرئيس السابق لأرض الصومال محمد أحمد محمود سيلانو أخفى وثيقة الاتفاق الأصلي عن البرلمان، وقدم بدلاً منها ورقة دون توقيع ومترجمة إلى اللغة الصومالية.

وعلمت «الجزيرة» من مصادر مطلعة أن الرئيس الصوماليمحمد عبدالله فرماجو طلب 3 مرات من محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي الاطلاع على الوثيقة الأصلية للاتفاقية، لكن طلبه قوبل بالرفض، مما أثار تساؤلات عن إخفاء سيلانو الوثيقة الأصلية.

وأشار التحقيق إلى اتهام صحف صومالية برلمانيين ومسؤولين وسياسيين في مقديشو وأرض الصومال بتلقي «رشاوى» من أبوظبي مقابل موافقتهم على تمرير صفقة الميناء، الأمر الذي أضاف مزيداً من الشبهات، خاصة بعد فتح فريق الرصد والتحقيق التابع للأمم المتحدة تحقيقاً بشأن اتفاقية ميناء بربرة.

كشف التحقيق أن شركة أموال تدعى «دهب شيل» -مقرها الإمارات مملوكة لمحمد سعيد دويل- ساعدت في إتمام صفقة ميناء بربرة لصالح «موانئ دبي» باعتبارها مكسباً اقتصادياً للإقليم.


وأوضح أن هناك علاقة وثيقة بين سيلانيو وشركة «دهب شيل»، حيث إن وزيراً سابقاً بحكومة سيلانيو عمل مديراً تنفيذياً في الشركة المملوكة لـ «دويل» المتهمة بغسيل أموال وأعمال مشبوهة. ونشر التحقيق وثيقة تظهر أن شركة مملوكة لـ «دويل» تدعى «أس. سي. أل» حصلت في أكتوبر 2017 على عقد من أبوظبي لتنظيم حملات تدعم حصار قطر مقابل 166 ألف دولار.

وحول تخبط العلاقات بين الصومال والإمارات بسبب ميناء بربرة، قال وزير خارجية الصومال أحمد عيسي عوض: إنه «مثلما وضحنا عندما أعلنت الاتفاقية قلنا إننا نرحب بأي عمل تنموي في أي إقليم في الصومال، لكن هذا لن يحصل إلا بمعرفة وموافقة الحكومة الفيدرالية». 

وأضاف عيسى لـ «الجزيرة»: «نحن نعتبر هذا الاتفاقية لاغية وغير صالحة، وغير مبنية على إطار غير قانوني»، كاشفاً عن تدخل السعودية في حل الأزمة مع أبوظبي بسبب الموانئ قبل 7 أشهر، لكن لم يحدث شيء رغم ترحيب مقديشو بذلك.


وحاولت الصومال إبعاد أزمتها مع الإمارات عن الأزمة الخليجية، لكن أبوظبي زادت من الاحتكاكات بين أقاليم الصومال والحكومة المركزية في مقديشو.

المصدر : برنامج ساعة الصفر والذي يقوم بتحقيقات صحفية في قضايا مختلفة 

0 comments:

إرسال تعليق